2008-06-02

وقت الرحيل


وقت الرحيل

رأيت عصفوراً يبكي حسرةً وندماً؛ تعجبت من ذلك العصفور كيف يبكي سيولاً وهو صغير الحجم، اقتربت منه... سألته عن سبب بكائه ومن أين يأتي بهذه الدموع حتى أبكي معه... أجابني والحزن واضح في صوته: لقد حدث ما لا يحدث لعصفورٍ قط... لقد ذهبت للحقل المجاور حتى أجد رزقي هناك وكعادتي اختار ما أشتهيه من حبات سنابل القمح ويوماً كبقية الأيام ذهبت لنفس الحقل ووجدت سنبلة قمح مختلفة تماماً عن بقية السنابل التي رأيتها في حياتي فتقدمت إليها كي أسد جوعي؛ فقالت لي وهي تبكي: أرجوك لا تأكلني وأعدك بأننا سنكون أصدقاء؛ .. اندهشت من تلك السنبلة.. كيف تعدني بشيء كهذا رغم أنها ليست دائمة في الحقل فبالتأكيد سيأتي يوم ما وتحصد فيه بيد الفلاح،وأنا ليس دائم الشبع فسيأتي اليوم الذي سأحتاجها فيه كوجبة غذائية ، فكيف إذن لصديقين أن يعيشا في سلام وأحدهما يعلم أنه سيرحل عن الآخر أو سيغدر به، ثم وضحت لها ما يدور برأسي الصغير ولكنها أصرت على صداقتنا قائلة: هذا حقيقي فسيأتي يوم ما وأحدنا سيرحل عن الآخر وهذا من الطبيعي جداً لأي صديقين فلما لا نكون أصدقاء ونفعل مثلما يفعل الكثير.
... وللأسف قبلت ذلك العرض ومع مرور الوقت أحببتها... نعم أحببت تلك السنبلة ولم أغدر بها، ولكن... جاء وقت رحيلها عني.. وقت الحصاد، رجوتها بألاّ تتركني وتذهب بعيداً،، ولكنها قالت لي: نحن متفقان من البداية بأنني سأفارقك قبل غدرك بي حتى نصبح صديقين للأبد.
.. قلت لها وصوتي مختنق من الدموع: ولكني لم أغدر بكِ فلما تغدرين بي إذن؟.. لقد أحببتك ولن أغدر بكِ أو أخونك أبداً فلا تفارقيني بعدما تعلقت بكِ.
تنهدت لمللها مني وقالت وهي تعجل بالرحيل: حتى عندما نصبح عاشقين فسيأتي يوم ما وأحدنا سيرحل عن الآخر.. والآن جاء وقت الرحيل عنك
.
هدى حسن محمد محمد
1999

2008-02-19

من فوق الكوبري


من فوق الكوبري

توالت ضحكاتها دون أن تجد السبب... ولكنها ضحكت والجميل أنها استطاعت أن تفعل ذلك بعدما كان... أشعلت لفافة التبغ ومع كل نفس من لفافتها كان كل ما حولها يحترق.. أومأت برأسها ناظرةً إلى النيل في شرودٍ تام مع رفع حاجبها الأيمن ولم تنس أن تأخذ نفساً أخر من تلك اللفافة.. ضمت شفتيها مع امتداد للأمام وعبست عبوساً وهي تسند فكها بإبهامها وتحك بالسبابة ذقنها... كل ذلك كان هنا؛ أما هناك فكان يوجد من يترقبها من سيارته.. قال بصوتٍ مسموع: ترى متى ستحاول الانتحار.. الآن أم بعد دقائق؟!.. على كلٍ سأنتظر اللحظة لإنقاذها .... هى لم تشعر به مطلقاً ولا زالت في شرودها المبهم للناظرين من حولها... بدأ يتململ منها قائلاً: لقد انتظرت طويلاً دون جدوى ولم تلقي بنفسك في النيل كي أنقذك وانتهي من هذا الانتظار الممل... انتهت اللفافة وعقبتها الأخرى... نظر في ساعته ثم أطلق نفخه طويلة وقال صارخاً: لاه.. هذا فوق الاحتمال ...... نزل من سيارته متوجهاً إليها.. قال لها في غضب: ما هذا التردد العجيب؛ ما دمتِ نويتِ فافعلي وأريحيني ..... تعجبت منه ولم تنطق اعتقاداً منها أن به خلل ذهني دفعه لهذا الهراء الذي يقوله.. فاستطرد قائلاً في نصح: ارجعي عما يدور برأسك.. صدقيني كلهم أولاد كلب الغدر طبعهم.. من الذي أوصلك لهذه الحالة؟.ابتسمت وقالت في تساؤل: نعم؟!.فأكمل: أليس الانتحار ما كنتِ تفكرين فيه؟.. صارحيني؟.... ضحكت بصوتٍ عالي ولكنه لم يكن أعلى من صوت آلات تنبيه السيارات التي تعطلت حركة سيرها بسبب سيارة ذلك الرجل الذي جري مسرعا راكباً سيارته لإنقاذ الكوبري.
هدى حسن محمد محمد
17/6/2005

اسأل التابوت


اسأل التابوت

استغرقت أمي طويلاً في مناداتي حتى جاءت إلى غرفتي فصرخت في أذنيّ قائلة: ألم تسمعي أم تتجاهلينني؟؛ نظرت إليها بتمعن وكأني أراها لأول مرة في حياتي .. وبعد دقائق ذهبت إلى المائدة فرأيت الطعام يواسينى قائلاً: لا تحزني على ما فاتك .. ثم نظرت إلى السماء فوجدتها تنزف دموعاً حزناً علىّ والقمر مال على وجنتي مقبلاً قائلاً : هذه لك فلا تحزنى ستجدين الأفضل.وبعد ذلك عدت إلى المائدة .. وأمسكت الخبز فقطعته إرباً كما تقطعت من قبل؛ استنجد المقعد الذي أجلس عليه بمن حوله من أثاث قائلاً:ارحموني .. إنما من تجلس علىّ ما هي إلاّ مجنونة !!.رد عليه الأثاث: إنما من تجلس عليك ما هي إلاّ أضعف مخلوقة ؛ فلما لا تواسيها مثلنا؟.سأل المقعد الأثاث: ماذا حدث لها كي تكون هكذا؟!.ردت السماء والقمر والطعام والخبز الذي صار فتاتاً والأثاث فى صوت واحد: اسأل التابوت الذي حملت فيه من قبل.سمع التابوت صوتهم قبل أن يسأله المقعد فحكى ما حدث مبتدئاً بصرختي عندما رجع إلىّ القاتل لينبش قبري كي يطعنني للمرة الثانية بعد أن دفنت نفسي وأنا جثة متعفنة .. وبينما التابوت يحكي بكى متأثراً بي .. ثم سأل التابوت المقعد قائلاً: بماذا تفسر رجوعه إليها؟!!؟أجاب المقعد: لقد رجع إليها كي يرى روحها وهي تهرول إليه ثانيةً.ثم أنهى المقعد كلامه بمواساته لي قائلاُ: لا تحزني ستجدين الأفضل.


هدى حسن محمد محمد
صيف 2000